المعلم
14-10-2003, 10:10 AM
السلام عليكم ،
التربية و قيم الشخصية الأساسية
كتبه : الأستاذ الدكتور محمود قمبر أستاذ و رئيس قسم أصول التربية بجامعة قطر،
---------------
إن ما ينقص الشخصية العربية لتكون فعالة في مواجهة العصر و مواكبة حضارته، عدد من القيم الأساسية الوظيفية التي تضفي على شخصية الأمة كمالها الوجودي و الأخلاقي ، و لتعود بها من جديد إلى صنع حركة تاريخية تقدمية ، كما صنع الأسلاف في ماضيهم البعيد ... و على رأسهم هذه القيم : احترام الذات – حب التفوق – تدين مستنير ، و هي قيم جامعة ترتبط بها قيم مصاحبة أو تابعة .. و لو نجحنا في غرسها و تنميتها و نشرها بالتربية لاستطعنا أن نقضي على معظم سلبيات الشخصية القومية.
احترام الذات:
لقد وصلنا في عصور التخلف و الانحطاط الحضاري إلى موت معنوي ذابت فيه كرامة الأمة و عزتها ن فهانت علينا أنفسنا ، و هانت أنفسنا على الآخرين ... أصبحنا كغثاء السيل ، فاقد القيمة ، يجري للعدم ، و عشنا حياة العبودية في جهالة و فقر و ذل استعمار . و تطبعنا شعوريا ولا شعوريا بطابع الاحتقار : الاحتقار لذواتنا ، لوجودنا ، لأعمالنا.. لم نعد نثق في قدراتنا ، و فقدنا الإيمان بقيمتنا كاملة تستطيع أن ترقى كغيرها ، و اعتمدنا في كل حياتنا على غيرنا .... و مرت علينا فترة طويلة و كئيبة كنا نعيش على هامش الوجود (( كالصخور الملقاة في الفلاة لا حس لها ولا صوت )) على حد تعبير جمال الدين الأفغاني على شعب مصر ، مما اضطره أن يصرخ بأعلى صوته في المصريين قائلاً: (( هبوا ، ثوروا، عيشوا كغيركم من الأمم أحراراً سعداء))
و برغم زوال الاستعمار لازلنا نعيش بنفسية المستذل التي تسطحب معها مشاعر الدونية و الانهزامية و العدمية .... إسرائيل تصفع وجه الأمة العربية كل يوم ، ولا نملك إلا الصراخ المكتوم .
و الصفع أو الضرب أسلوب اجتماعي شائع و مطرد و مألوف في حياتنا ، نستخدمه كل يوم في صبحه و مسائه : الحاكم يضرب المحكوم ، و الغني يضرب الفقير ، القوي يضرب الضعيف ، و الكبير يضرب الصغير ، و الرجل يضرب المرأة ، و المعلم يضرب التلميذ .... و هكذا نضرب أنفسنا بأنفسنا ، ونستمرئ الضرب ، و نتربى به ، فلا عجب أن تقبلنا الضرب بيد غيرنا تنزل بالصفعات على وجوهنا و كرامتنا.
و قديماً نبه المربي العلامة ابن خلدون إلى الأثر السيئ لهذه الظاهرة في تربية الأمة ، فقال: (( من كان مرباه بالعسف و القهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم ، سطا به القهر ، وضيق على النفس في انبساطها ، و دعاه إلى الكسل ، و حمله على الكذب و الخبث خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه ، و علمه المكر و الخديعة . و لذلك صارت له عادة و خلقاً ، و فسدت معاني الإنسانية التي له ))
و هل نملك شيئاُ آخر بعدما فسدت معاني إنسانيتنا ؟؟ ... كان الأجانب الرحالة مثل بارتلمي يمرون بمصر و يتعجبون لحال شعبها : (( يولدون و يموتون على أرضهم كما تولد و تموت البهائم الحقير ))
احترام الذات أول قيمة أساسية في إحياء الذات القومية ، إنها تعبير عن الوجود الحي و الكرامة الإنسانية ، و الحرية الشخصية ، و المسؤولية الفردية ... إنها مفتاح الأمل في تغيير النفس و المجتمع و الأمة .
احترام الذات مفهوم و سلوك : مفهوم يربي فينا الإيمان بقدسية الإنسان و أن ذاته حرة مصونة مكرمة لا عدوان عليها بأي سبيل . و هو مفهوم حمله و أعلنه الخليفة عمر بن الخطاب حين رد على واليه بمصر عمرو بن العاص ، و ابنه إهانتهما بالضرب لولد مصري مسكين و قال : (( كيف استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحراراً )) . و هو مفهوم دعا الشافعي إلى صيانته و التمسك به حين طلب منه أحد الرجال بنصيحته فقال له (( إن الله خلقك حراً فكن كما خلقك ))
و احترام الذات سلوك يشمخ بأنفسنا دون طغيان على الآخرين . و على التربية في أسرنا و شوارعنا و مدارسنا و مؤسساتنا و أنظمتها أن ترعى فينا هذه القيمة ، و أن تغرسها في كل فرد شعورا و مسؤولية ، حتى نرتقي بالإنسان في ذاته و أمته دون أن نجعل منه إله العصر المعبود.
و لتأكيد هذه القيمة لابد من توافر جو الديموقراطية و الحرية و العدالة الاجتماعية و الأخوة الإنسانية ، وإلا فلا قيمة لاحترام الذات ، ومن ثم فلا قيمة للحياة.
حب التفوق :
و رثنا كذلك من عصور الضعف و التحلل صفة الخمول و الانزواء . مع الخمول الكسل و البلادة ، ومع الانزواء التلاشي و الضياع . و بحثنا في الدين عما يبرر لنا هذا المسلك المتخاذل ، فالدنيا دار فناء ، ووجودنا فيها عابر ، و السعيد من خلع نفسه منها و لم يعلق بها فكل ما فيها حطام زائل أو متاع الغرور... لعلها نزعة صوفية سلبية ، و قد كانت ( الدروشة ) الصوفية ذات غلبة وانتشار في هذه العصور المتأخرة – نزعة كرهتنا في الحياة ، و إذا كان هذا هو حال الدنيا ، فلم العمل و التعب فيها ؟؟ لم نلد للموت و نبني للخراب ؟ على حد تعبير الشاعر العربي القديم .
إن وراء كل نهضة عقيدة تدفع للحياة ، و فلسفة تؤمن بالرقي و تعمل للتقدم ،، و قد جاء الإسلام كدين يمكن للمسلمين في الأرض و قرأوا قوله تعالى : (( و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين )) فتحركوا بكل قوة وإرادة ليكونوا أئمة الناس و وارثي الحضارات و هذا ما جعل عمر بن الخطاب يحض المسلمين على الزحف و القتال و الفتح و الانتشار قائلا: ( إن الحجاز ليست لكم بدار مقام فسيروا في الأرض التي وعدكم الله ، فلسوف تملكون ملك كسرى و قيصر) .. و أمم الغرب لم تبدأ نهضتها إلا بعد أم حطمت فلسفة الكنيسة و استبدلت بنعيم الآخرة جنة الدنيا و بديانة الزهد ديانة العمل ، و بتفاهة الإنسان عزة الإنسان العظيم أو \" السوبر مان \" ، و رفعت هذه الأمم شعارات جديدة ألهمت خيال الشعراء ، و شحذت عقول العلماء و وجهت سياسة الرؤساء ، و ولدت المنافسة بين الأقوياء ، و كانت شعارات : ( ألمانيا فوق الجميع – سودي يا بريطانيا و احكمي – فرنسا منارة الحضارة)
و نحن بحاجة أمس إلى عقيدة تشد فينا إرادة الحياة و تلهب في أنفسنا حب التفوق ، وإلا فبطن الأرض خير لنا من ظهرها .
ولن تكون هذه العقيدة بدعوة كلامية ، ولا بمواعظ خطابية ، وإنما بسياسة تخطيطية و تربية وظيفية تعلمنا العقلانية في تفكيرنا ، والإخلاص في عملنا ، و المثابرة في مشروعاتنا ، و التعاونية في جهودنا ، و التنظيم في كل أمورنا ، و التقدير لكل كفاءة مبدعة .
تدين مستنير :
لن تكون هذه العقيدة التي نبحث عنها للتمكين في الأرض و للتفوق في الحياة إلا عقيدة مستنيرة تتفق و خصوصيتنا الذاتية كأمة مسلمة لها مبادئ وقيم هي جوهر وجودنا المميز بين الأمم.
وإذا كان الإسلام الموحى به من عند الله واحداً ، فإن الإسلام الذي مارسه المسلمون وطبقوه في حياتهم عقيدة و شريعة و سلوكاً كان متنوعاً و كثيراً ... فلقد قرأ المسلمون الأوائل نصوص الوحي في كتاب الله و حديث رسوله وخرجوا من قراءاتهم بمعان أولية حولوها إلى مفاهيم تباينت من جماعه لجماعة بفعل مؤثرات إيديولوجية و ثقافية ... وهكذا اختلفت الأبنية العقلية و النفسية لجماعات المسلمين . و قامت عليها أنظمة دينية و حضارية مختلفة ، لم تتعايش في معظم عصورها كما أمر الله بالحب و المودة ، و إنما كفر بعضها بعضاُ ، وتحاربت بآيات و بأحاديث مختلفة ، و كان بأس المسلمين فيما بينها شديداً
لا نريد لحاضرنا أن يحكمه ذلك الماضي الذي تشرذم بالمسلمين إلى اثنتين و سبعين فرقة كما حدثنا الذين أرخوا للملل و النحل ، كل فرقة تمثل مذهباً و ثقافة و فلسفة ضاع معها وجه الحق ، و ذابت معها وحدة المسلمين.
يجب أن تكون لنا فلسفة عصرية للإسلام وهذه الفلسفة لن نستعيرها من فلسفات السابقين المتضاربة ، فقد رأينا منها تلك التي أخذت بالتشدد أو التي أخذت بالترخص ... التي ذهبت إلى أقصى اليسار و أخذت باشتراكية سبقت اشتراكيات المعاصرين ، و التي أخذت بيمينية متطرفة لم تعرفها أنظمة الرأسماليين أو الإقطاعيين ... التي رفعت لواء العقل إلى أعلى الدرجات ، و التي انتكست به إلى أخس الدركات .... التي اجتهدت بالعلم و العمل ونضرت الدنيا و خضرت وجه الحياة ، و التي لعنت الدنيا و حرمت طيبات ما أحل الله.
كتبه : الأستاذ الدكتور محمود قمبر أستاذ و رئيس قسم أصول التربية بجامعة قطر،
التربية و قيم الشخصية الأساسية
كتبه : الأستاذ الدكتور محمود قمبر أستاذ و رئيس قسم أصول التربية بجامعة قطر،
---------------
إن ما ينقص الشخصية العربية لتكون فعالة في مواجهة العصر و مواكبة حضارته، عدد من القيم الأساسية الوظيفية التي تضفي على شخصية الأمة كمالها الوجودي و الأخلاقي ، و لتعود بها من جديد إلى صنع حركة تاريخية تقدمية ، كما صنع الأسلاف في ماضيهم البعيد ... و على رأسهم هذه القيم : احترام الذات – حب التفوق – تدين مستنير ، و هي قيم جامعة ترتبط بها قيم مصاحبة أو تابعة .. و لو نجحنا في غرسها و تنميتها و نشرها بالتربية لاستطعنا أن نقضي على معظم سلبيات الشخصية القومية.
احترام الذات:
لقد وصلنا في عصور التخلف و الانحطاط الحضاري إلى موت معنوي ذابت فيه كرامة الأمة و عزتها ن فهانت علينا أنفسنا ، و هانت أنفسنا على الآخرين ... أصبحنا كغثاء السيل ، فاقد القيمة ، يجري للعدم ، و عشنا حياة العبودية في جهالة و فقر و ذل استعمار . و تطبعنا شعوريا ولا شعوريا بطابع الاحتقار : الاحتقار لذواتنا ، لوجودنا ، لأعمالنا.. لم نعد نثق في قدراتنا ، و فقدنا الإيمان بقيمتنا كاملة تستطيع أن ترقى كغيرها ، و اعتمدنا في كل حياتنا على غيرنا .... و مرت علينا فترة طويلة و كئيبة كنا نعيش على هامش الوجود (( كالصخور الملقاة في الفلاة لا حس لها ولا صوت )) على حد تعبير جمال الدين الأفغاني على شعب مصر ، مما اضطره أن يصرخ بأعلى صوته في المصريين قائلاً: (( هبوا ، ثوروا، عيشوا كغيركم من الأمم أحراراً سعداء))
و برغم زوال الاستعمار لازلنا نعيش بنفسية المستذل التي تسطحب معها مشاعر الدونية و الانهزامية و العدمية .... إسرائيل تصفع وجه الأمة العربية كل يوم ، ولا نملك إلا الصراخ المكتوم .
و الصفع أو الضرب أسلوب اجتماعي شائع و مطرد و مألوف في حياتنا ، نستخدمه كل يوم في صبحه و مسائه : الحاكم يضرب المحكوم ، و الغني يضرب الفقير ، القوي يضرب الضعيف ، و الكبير يضرب الصغير ، و الرجل يضرب المرأة ، و المعلم يضرب التلميذ .... و هكذا نضرب أنفسنا بأنفسنا ، ونستمرئ الضرب ، و نتربى به ، فلا عجب أن تقبلنا الضرب بيد غيرنا تنزل بالصفعات على وجوهنا و كرامتنا.
و قديماً نبه المربي العلامة ابن خلدون إلى الأثر السيئ لهذه الظاهرة في تربية الأمة ، فقال: (( من كان مرباه بالعسف و القهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم ، سطا به القهر ، وضيق على النفس في انبساطها ، و دعاه إلى الكسل ، و حمله على الكذب و الخبث خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه ، و علمه المكر و الخديعة . و لذلك صارت له عادة و خلقاً ، و فسدت معاني الإنسانية التي له ))
و هل نملك شيئاُ آخر بعدما فسدت معاني إنسانيتنا ؟؟ ... كان الأجانب الرحالة مثل بارتلمي يمرون بمصر و يتعجبون لحال شعبها : (( يولدون و يموتون على أرضهم كما تولد و تموت البهائم الحقير ))
احترام الذات أول قيمة أساسية في إحياء الذات القومية ، إنها تعبير عن الوجود الحي و الكرامة الإنسانية ، و الحرية الشخصية ، و المسؤولية الفردية ... إنها مفتاح الأمل في تغيير النفس و المجتمع و الأمة .
احترام الذات مفهوم و سلوك : مفهوم يربي فينا الإيمان بقدسية الإنسان و أن ذاته حرة مصونة مكرمة لا عدوان عليها بأي سبيل . و هو مفهوم حمله و أعلنه الخليفة عمر بن الخطاب حين رد على واليه بمصر عمرو بن العاص ، و ابنه إهانتهما بالضرب لولد مصري مسكين و قال : (( كيف استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحراراً )) . و هو مفهوم دعا الشافعي إلى صيانته و التمسك به حين طلب منه أحد الرجال بنصيحته فقال له (( إن الله خلقك حراً فكن كما خلقك ))
و احترام الذات سلوك يشمخ بأنفسنا دون طغيان على الآخرين . و على التربية في أسرنا و شوارعنا و مدارسنا و مؤسساتنا و أنظمتها أن ترعى فينا هذه القيمة ، و أن تغرسها في كل فرد شعورا و مسؤولية ، حتى نرتقي بالإنسان في ذاته و أمته دون أن نجعل منه إله العصر المعبود.
و لتأكيد هذه القيمة لابد من توافر جو الديموقراطية و الحرية و العدالة الاجتماعية و الأخوة الإنسانية ، وإلا فلا قيمة لاحترام الذات ، ومن ثم فلا قيمة للحياة.
حب التفوق :
و رثنا كذلك من عصور الضعف و التحلل صفة الخمول و الانزواء . مع الخمول الكسل و البلادة ، ومع الانزواء التلاشي و الضياع . و بحثنا في الدين عما يبرر لنا هذا المسلك المتخاذل ، فالدنيا دار فناء ، ووجودنا فيها عابر ، و السعيد من خلع نفسه منها و لم يعلق بها فكل ما فيها حطام زائل أو متاع الغرور... لعلها نزعة صوفية سلبية ، و قد كانت ( الدروشة ) الصوفية ذات غلبة وانتشار في هذه العصور المتأخرة – نزعة كرهتنا في الحياة ، و إذا كان هذا هو حال الدنيا ، فلم العمل و التعب فيها ؟؟ لم نلد للموت و نبني للخراب ؟ على حد تعبير الشاعر العربي القديم .
إن وراء كل نهضة عقيدة تدفع للحياة ، و فلسفة تؤمن بالرقي و تعمل للتقدم ،، و قد جاء الإسلام كدين يمكن للمسلمين في الأرض و قرأوا قوله تعالى : (( و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين )) فتحركوا بكل قوة وإرادة ليكونوا أئمة الناس و وارثي الحضارات و هذا ما جعل عمر بن الخطاب يحض المسلمين على الزحف و القتال و الفتح و الانتشار قائلا: ( إن الحجاز ليست لكم بدار مقام فسيروا في الأرض التي وعدكم الله ، فلسوف تملكون ملك كسرى و قيصر) .. و أمم الغرب لم تبدأ نهضتها إلا بعد أم حطمت فلسفة الكنيسة و استبدلت بنعيم الآخرة جنة الدنيا و بديانة الزهد ديانة العمل ، و بتفاهة الإنسان عزة الإنسان العظيم أو \" السوبر مان \" ، و رفعت هذه الأمم شعارات جديدة ألهمت خيال الشعراء ، و شحذت عقول العلماء و وجهت سياسة الرؤساء ، و ولدت المنافسة بين الأقوياء ، و كانت شعارات : ( ألمانيا فوق الجميع – سودي يا بريطانيا و احكمي – فرنسا منارة الحضارة)
و نحن بحاجة أمس إلى عقيدة تشد فينا إرادة الحياة و تلهب في أنفسنا حب التفوق ، وإلا فبطن الأرض خير لنا من ظهرها .
ولن تكون هذه العقيدة بدعوة كلامية ، ولا بمواعظ خطابية ، وإنما بسياسة تخطيطية و تربية وظيفية تعلمنا العقلانية في تفكيرنا ، والإخلاص في عملنا ، و المثابرة في مشروعاتنا ، و التعاونية في جهودنا ، و التنظيم في كل أمورنا ، و التقدير لكل كفاءة مبدعة .
تدين مستنير :
لن تكون هذه العقيدة التي نبحث عنها للتمكين في الأرض و للتفوق في الحياة إلا عقيدة مستنيرة تتفق و خصوصيتنا الذاتية كأمة مسلمة لها مبادئ وقيم هي جوهر وجودنا المميز بين الأمم.
وإذا كان الإسلام الموحى به من عند الله واحداً ، فإن الإسلام الذي مارسه المسلمون وطبقوه في حياتهم عقيدة و شريعة و سلوكاً كان متنوعاً و كثيراً ... فلقد قرأ المسلمون الأوائل نصوص الوحي في كتاب الله و حديث رسوله وخرجوا من قراءاتهم بمعان أولية حولوها إلى مفاهيم تباينت من جماعه لجماعة بفعل مؤثرات إيديولوجية و ثقافية ... وهكذا اختلفت الأبنية العقلية و النفسية لجماعات المسلمين . و قامت عليها أنظمة دينية و حضارية مختلفة ، لم تتعايش في معظم عصورها كما أمر الله بالحب و المودة ، و إنما كفر بعضها بعضاُ ، وتحاربت بآيات و بأحاديث مختلفة ، و كان بأس المسلمين فيما بينها شديداً
لا نريد لحاضرنا أن يحكمه ذلك الماضي الذي تشرذم بالمسلمين إلى اثنتين و سبعين فرقة كما حدثنا الذين أرخوا للملل و النحل ، كل فرقة تمثل مذهباً و ثقافة و فلسفة ضاع معها وجه الحق ، و ذابت معها وحدة المسلمين.
يجب أن تكون لنا فلسفة عصرية للإسلام وهذه الفلسفة لن نستعيرها من فلسفات السابقين المتضاربة ، فقد رأينا منها تلك التي أخذت بالتشدد أو التي أخذت بالترخص ... التي ذهبت إلى أقصى اليسار و أخذت باشتراكية سبقت اشتراكيات المعاصرين ، و التي أخذت بيمينية متطرفة لم تعرفها أنظمة الرأسماليين أو الإقطاعيين ... التي رفعت لواء العقل إلى أعلى الدرجات ، و التي انتكست به إلى أخس الدركات .... التي اجتهدت بالعلم و العمل ونضرت الدنيا و خضرت وجه الحياة ، و التي لعنت الدنيا و حرمت طيبات ما أحل الله.
كتبه : الأستاذ الدكتور محمود قمبر أستاذ و رئيس قسم أصول التربية بجامعة قطر،