عائشة قدورة
05-08-2009, 11:59 PM
غريزة التلصص
دكتور / محمد المهدي
استشاري الطب النفسى
صدرت حديثا رواية "التلصص" للكاتب الروائي صنع الله ابراهيم , وهي نوع من التلصص على الذات للخروج بسيرة ذاتية غير تقليدية , كما تشمل التلصص (الأدبي المشروع والمقنن) على ذوات الآخرين المشاركين في الأحداث وهم يقاومون أو يضعفون أو يسقطون , خاصة وأن الرواية تصف فترة تعرض الكاتب ورفاقه للإعتقال في سجن الواحات أيام عبد الناصر . والتلصص على الذات من أصعب أنواع التلصص حيث توجد دفاعات نفسية لا شعورية تجعلنا لا نستطيع أن نرى نقائصنا وعيوبنا , ولهذا – حين نفتقد الشجاعة لرؤية أنفسنا - نلجأ إلى التلصص على الآخرين فنستريح ونحن نسقط عليهم عيوبنا أو نزيح إليهم نقائصنا , أو نشعر بالشماتة فيهم , أو نطمئن بأننا وهم في الهم سواء , أو نشبع شهوتنا في الحديث واختراق الحجب والأستار , أو نمارس عدواننا تجاههم حين نمزقهم ونحن نغتال خصوصياتهم ونزرع الشقاق بينهم .
وفي الآونة الأخيرة تعرض الشيخ العلامة يوسف القرضاوي لاختراقات عديدة لحياته الشخصية , وتعرض وتعرض الكثير من المشاهير إلى شائعات متنوعة تمس حياتهم الشخصية.. . حتى الأموات لم ينجوا من ذلك حيث تعرضت هبة ونادين بعد قتلهما في حادث مأساوي منذ شهور إلى الخوض في حياتهما بشكل جارح مما استدعى اعتذارا من الجهات النقابية . إذن فالتلصص وإطلاق الشائعات لا يفرقان بين رجل دين أو فنان أو سياسي معارض , رجل كان أو فتاة , أحياء أو أموات . ولا يعرف آلام التلصص والشائعات إلا من ذاقه فعلا وتجرع مرارته .
ومما يزيد الأمر صعوبة وخطورة وجود آلة إعلامية ضخمة ومتوحشة تدور في دقائق فتسحق عظام من تريد اغتياله خاصة إذا كان هشا ولديه القابلية لذلك . وكلما زادت شهرة الأشخاص وأهميتهم وتأثيرهم في حياة الناس - بالسلب أو بالإيجاب ) كلما زادت فرصة تعرضهم للتلصص والشائعات , وكلما زاد قبول الناس لتلك الشائعات حولهم .
http://elazayem.com/new(16).jpg
من تعشق المعرفة إلى التلصص (From Epistemophilia to Scopophilia):
والتعشق هنا يعني الرغبة الشديدة والتي تصل إلى مستوى الغريزة التي يحتاج الإنسان لقوة وإرادة كي يقاومها , وهذا التعشق للمعرفة قد ينصرف عند بعض الناس إلى معرفة الحقيقة فيخرج منهم العلماء والمحققون والمؤرخون , وقد ينصرف عند البعض الآخر إلى معرفة أسرار الناس الشخصية والإهتمام بسقطاتهم ونقاط ضعفهم وفضائحهم أحيانا فينشأ جماعة من النمامين والمغتابين والناهشين في لحوم البشر . ونظرا لقوة هذا الدافع جاءت آيات وأحاديث كثيرة تنهى عن الغيبة وتنهى عن النميمة وتنهى عن التجسس والتلصص والتدابر . ويلحق بحب المعرفة شيئا ذا علاقة وهو حب التطلع Scopophilia والتطلع هنا يتحصل بواسطة النظر , بمعنى أن الإنسان لديه الرغبة في الرؤية (الفرجة) على الناس والأشياء والأحداث . وهاتان الرغبتان : حب المعرفة وحب التطلع تكونان متضخمتان لدى العاملين في الصحافة والإعلام عموما إذ يكون لديهم رغبة جارفة في معرفة الأسرار وتحقيق السبق بنشرها , ويمكن أن نسميها "شراهة الرؤية والمعرفة وشراهة النشر" لذلك يقعون في مشكلات كثيرة حين تطغى هذه الشراهة على ضوابطهم المهنية وعلى الضوابط الإجتماعية السائدة . ولهذا استدعى الأمر وضع ضوابط أخلاقية لمهنة الإعلام ووضع روادع قانونية للنشر إذا تجاوز الخطوط الحمراء المتعارف عليها في المجتمع .
ويربط علماء النفس التحليليون الرغبة في المعرفة والرغبة في الرؤية بالرغبة الجنسية , فهم يرون أن الطفل في المرحلة الفمية يستمتع استمتاعا غريزيا فميا وهو يتعرف على البيئة من حوله بواسطة فمه , فكل شئ يصادفه يضعه في فمه ليتعرف عليه , ثم ينتقل الإنسان في سن الثالثة إلى الخامسة إلى المرحلة لقضيبية وفيها تشتد رغبته في التعرف والتقرب إلى الوالدين (الجنسين) والتعرف على أعضائه وأعضائهم الجنسية وما يتصل بها , ومن هنا تبدأ بذور الرغبة الشديدة في المعرفة , وإذا وجد الطفل أن بعض الأشياء محظورة يبدأ في التلصص لمعرفتها سرا ومن هنا تبدأ غريزة التلصص في النمو والإزدهار , وتصل عند بعض الناس إلى درجة التضخم أوالتوحش.
تفضل بمواصلة القراءة
دكتور / محمد المهدي
استشاري الطب النفسى
صدرت حديثا رواية "التلصص" للكاتب الروائي صنع الله ابراهيم , وهي نوع من التلصص على الذات للخروج بسيرة ذاتية غير تقليدية , كما تشمل التلصص (الأدبي المشروع والمقنن) على ذوات الآخرين المشاركين في الأحداث وهم يقاومون أو يضعفون أو يسقطون , خاصة وأن الرواية تصف فترة تعرض الكاتب ورفاقه للإعتقال في سجن الواحات أيام عبد الناصر . والتلصص على الذات من أصعب أنواع التلصص حيث توجد دفاعات نفسية لا شعورية تجعلنا لا نستطيع أن نرى نقائصنا وعيوبنا , ولهذا – حين نفتقد الشجاعة لرؤية أنفسنا - نلجأ إلى التلصص على الآخرين فنستريح ونحن نسقط عليهم عيوبنا أو نزيح إليهم نقائصنا , أو نشعر بالشماتة فيهم , أو نطمئن بأننا وهم في الهم سواء , أو نشبع شهوتنا في الحديث واختراق الحجب والأستار , أو نمارس عدواننا تجاههم حين نمزقهم ونحن نغتال خصوصياتهم ونزرع الشقاق بينهم .
وفي الآونة الأخيرة تعرض الشيخ العلامة يوسف القرضاوي لاختراقات عديدة لحياته الشخصية , وتعرض وتعرض الكثير من المشاهير إلى شائعات متنوعة تمس حياتهم الشخصية.. . حتى الأموات لم ينجوا من ذلك حيث تعرضت هبة ونادين بعد قتلهما في حادث مأساوي منذ شهور إلى الخوض في حياتهما بشكل جارح مما استدعى اعتذارا من الجهات النقابية . إذن فالتلصص وإطلاق الشائعات لا يفرقان بين رجل دين أو فنان أو سياسي معارض , رجل كان أو فتاة , أحياء أو أموات . ولا يعرف آلام التلصص والشائعات إلا من ذاقه فعلا وتجرع مرارته .
ومما يزيد الأمر صعوبة وخطورة وجود آلة إعلامية ضخمة ومتوحشة تدور في دقائق فتسحق عظام من تريد اغتياله خاصة إذا كان هشا ولديه القابلية لذلك . وكلما زادت شهرة الأشخاص وأهميتهم وتأثيرهم في حياة الناس - بالسلب أو بالإيجاب ) كلما زادت فرصة تعرضهم للتلصص والشائعات , وكلما زاد قبول الناس لتلك الشائعات حولهم .
http://elazayem.com/new(16).jpg
من تعشق المعرفة إلى التلصص (From Epistemophilia to Scopophilia):
والتعشق هنا يعني الرغبة الشديدة والتي تصل إلى مستوى الغريزة التي يحتاج الإنسان لقوة وإرادة كي يقاومها , وهذا التعشق للمعرفة قد ينصرف عند بعض الناس إلى معرفة الحقيقة فيخرج منهم العلماء والمحققون والمؤرخون , وقد ينصرف عند البعض الآخر إلى معرفة أسرار الناس الشخصية والإهتمام بسقطاتهم ونقاط ضعفهم وفضائحهم أحيانا فينشأ جماعة من النمامين والمغتابين والناهشين في لحوم البشر . ونظرا لقوة هذا الدافع جاءت آيات وأحاديث كثيرة تنهى عن الغيبة وتنهى عن النميمة وتنهى عن التجسس والتلصص والتدابر . ويلحق بحب المعرفة شيئا ذا علاقة وهو حب التطلع Scopophilia والتطلع هنا يتحصل بواسطة النظر , بمعنى أن الإنسان لديه الرغبة في الرؤية (الفرجة) على الناس والأشياء والأحداث . وهاتان الرغبتان : حب المعرفة وحب التطلع تكونان متضخمتان لدى العاملين في الصحافة والإعلام عموما إذ يكون لديهم رغبة جارفة في معرفة الأسرار وتحقيق السبق بنشرها , ويمكن أن نسميها "شراهة الرؤية والمعرفة وشراهة النشر" لذلك يقعون في مشكلات كثيرة حين تطغى هذه الشراهة على ضوابطهم المهنية وعلى الضوابط الإجتماعية السائدة . ولهذا استدعى الأمر وضع ضوابط أخلاقية لمهنة الإعلام ووضع روادع قانونية للنشر إذا تجاوز الخطوط الحمراء المتعارف عليها في المجتمع .
ويربط علماء النفس التحليليون الرغبة في المعرفة والرغبة في الرؤية بالرغبة الجنسية , فهم يرون أن الطفل في المرحلة الفمية يستمتع استمتاعا غريزيا فميا وهو يتعرف على البيئة من حوله بواسطة فمه , فكل شئ يصادفه يضعه في فمه ليتعرف عليه , ثم ينتقل الإنسان في سن الثالثة إلى الخامسة إلى المرحلة لقضيبية وفيها تشتد رغبته في التعرف والتقرب إلى الوالدين (الجنسين) والتعرف على أعضائه وأعضائهم الجنسية وما يتصل بها , ومن هنا تبدأ بذور الرغبة الشديدة في المعرفة , وإذا وجد الطفل أن بعض الأشياء محظورة يبدأ في التلصص لمعرفتها سرا ومن هنا تبدأ غريزة التلصص في النمو والإزدهار , وتصل عند بعض الناس إلى درجة التضخم أوالتوحش.
تفضل بمواصلة القراءة