ابوناصر
21-12-2003, 10:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
أوراق مـن ســجـنــي
مقدمه :
قال ذو القروح :
ولقد نقبت في الآفاق حتى *** رضيت من الغنيمة بالإيابِ
قال أبو ناصر : كفى بها غنيمة أن تعود إلى نقطة الصفر كيف و الطرق في جميع الآفاق مسدودة مغلقة .. وقد جابهني الكثير بالمعارضة الشديدة على قولي و ذي القروح فأجبتهم و لا أزال أجيبهم بقول ابن حزم :
و ماذا على الشمس المنيرة بالضحى *** إذا قصرت عنها ضعافُ البصائرِ
وليس بمستغرب إن رجع بعضهم بعد أن اقروا لي بالقول وكما قال الأخطل:
حتى اقروا وهم مني على مضضٍ *** والقول ينفذُ ما لا تنفذ الإبرُ
أما البقية وكلهم حارث ( بناء على إن كل إنسان هو حارث ) فقد قلت لهم ما قاله الشاعر المتلمس :
أحارث إنا لو تساط دماؤنا *** تزايلن حتى لا يمس دمٌ دما
بقي أن أخبركم بما أن جميع الطرق مغلقة فهذا يعني بالضرورة أننا مسجونين ... لذا أقول ما قاله أبي محسد :
كن أيها السجن كيف شئت فقد *** وطّدتُ للموت نفس معترف
ومن هذه التجربة ألسجنيه اهدي لكم رواد موضوعي بعضا من دروسها ولسان حالي وأنا أهديكم هذه الدروس من تلك التجربة عبر عنه إيليا أبو ماضي بقوله :
أنا لا اهدي إليكم ورقا *** غيركم يرضى بحبرٍ و ورق
إنما أهدي إلى أرواحكم *** دررا تبقى إذا الطرس احترق
من فضول القول تبقى إذا المنتدى أغلق أو إذا الكاتب رحل ..
الورقة الأولى
كنت في العام الماضي أعيش مع من كان يعيش فيه على هذه الأرض المستديرة و الدائرة حول محورها في صيرورة معها يستحال أن يكون لي أو لها الاختيار أو التأثير على هذا الرتم من تقلب الليل والنهار ....
أحمق خلق الله اولائك المسجونين أضعف قيودهم الجاذبية ..
سجن ليس فيه طعم للحرية .. كل ما نملك ( أكاذيب ) و ( أوهام ) نصدقها من سفهنا بأننا نملك من امرنا شيئا ..!!
عقول مسجونة في جماجم قلوب مسجونة في أقفاص أرواح مسجونة في أجساد و أجساد مسجونة في كرة وكرة مسجونة في مجموعة ( سجنية / شمسية ) ومجموعة مسجونة في طرف مجرة ومجرة مسجونة في فراغ مع مجرات اكبر واصغر منها ..
ما علاقة السجون التي في داخل السجون بالفراغ ؟؟
من يجيبني من داخل تلك السجون التي بعضها داخل بعض ؟؟
والى أن تأتيني إجابة من سجين أعود على ما بدأته من ذكرياتي السجينة إما في عقلي المسجون في جمجمته أو في أوراقي المسجونة في دفاتري ... مضحكة هي السجون إنها أكثر الموجودات وجودا ..
في العام الماضي الذي كنت أعيش فيه بجانب جار سجين (أوهامه) وعقائده التي يؤمن بها أكثر من إيمانه بوجوده ...
قلت له وأنا أحاوره في سجننا : اخبرني يا محمد هل طيلة أعوامك الرطبة البالغة الخامسة والثلاثين استطعت ولو لثانية أن تتخلص من قيودك ؟؟
تبسم ابتسامته التي تمرض فؤادي المسجون في قفصه وقال : ستكون في يوم ملحدا ....!! ما لم يتداركك الله برحمته وهدايته ..
قلت له : انظر لنفسك أنت مقيد من كل ناحية واشد قيودك قسوة هي تلك المصطلحات التي تفهمها وتحورها ... عفوا اقصد تحورك كيفما شاءت ...أصبحت مع الزمن المقيت آلة تنظر وتحكم وفق مصطلحاتها الجاهزة ... وما مصطلح الإلحاد إلا أحدها ..
أفق فالقيود لا تدعك حتى تتنفس .. يا لك من كائن لا رئتين له ..!
قال : وهل ترى نفسك سالم من تلك القيود .. انظر كيف تحكمت فيك مصطلحاتك الفلسفية اللفظية ... وترى أني سجين مصطلحاتي ..!!
يا أبو ناصر من مصطلحاتك ونظرتك هذه تجد أن الفرق بيننا ليس في وجود القيود أو عدمها بل في أشكال القيود لا أكثر ..
أنت مقيد بقيود شتى و أنا مقيد بقيود ...( حتى ) لا اللفظية بل الانتظارية .. أتفهم ما عنيت ...؟؟
قلت له : هل قولك هذا اعتراف بوجود القيود أم انه لا يعني أكثر من المسايرة والمجاراة في ألفكره ..؟؟
قال : الاثنين معا ...فحين تنظر إلي باني كائن لا رئتين له أخبرك بان تنظر بنفس المنظار إلى صدرك الخالي من الرئتين ...
وان تنظر إلى من حيث أينا أحق بالحقيقة أو بلفظ أدق أينا يملكها أقول لك أنا املكها بنسبة اكبر من ملكيتك لها ..
قلت : غريب أنت تدرك القيد ولا تفكه بل تزيده قوة وقصرا ..؟!؟
محمد اخرج بخيالك من قيودك وانظر كم قيد في أقدامنا والأعناق ؟؟
ــ يا أبو ناصر حتى الخيال مقيد ....هل تستطيع أن تفكر أو تتخيل خارج لغتك ... كل شي بمقدار ... ليس هناك شي خارج المقدار حتى المقدار نفسه
هنا تعقيد بل تعقيد التعقيد ( الذي سميته أنت يوما )
ــ ذكي أنت حد الطرافة أتذكر تلك التسمية التي جعلتني اكسر زجاج سيارته برغم انك حينها كنت معه قضا وقضيضا هل مازلت ترى أني غير صادق في تسمية تعقيد المعقد نذالة ؟؟
ــ قبل أن أجيبك أشعل لي سيجارة ..
ــ أعطيته سيجارة المارلبورو ... وراح يدخن ويكتشف القيود وينبش الذكريات و يكلم الجراح ... واستمر يدخن و يدخن و يدخن حتى نفث دخانا من أنفه وفمه اصفر اللون ثم قال : و أخيرا خرج الصدئ من قيودي الرأوية.
ــ أخرجت أنة متحشرجة قبل أن اكب على وجهي باكيا على جسده المثلج .
الورقة الثانية
بين حين و أخر اشعر برغبة جامحة معها تصبح الرؤيا لدي محكومة بلوني عيني ... أي يا اسود أو ابيض .. فتسجنني عيناي بلونيها البليدين حيث كل شي محوكم برؤيتي إما ابيض أو نقيضه / ضده الأسود ...
واعرف أن رؤيتي تلك للأشياء هي رؤية غير واقعية تنقصها الحقائق وكل أمر تنقصه الحقائق تنقصه الحرية هكذا حكمت الدنيا ما بين سجنائها ..
رغبتي تلك هي أن انتقم من قيودي زمانيها و مكانيها وجنسيها و دينيها و هنا أصاب بعمى الألوان حيث تصبح القيود التي أريد الانتقام منها إما بيضا أو سودا و تتجاوز النظرة المجنونة القيود إلى الحيز أيا كان الحيز الذي توجد به القيود .. فتصيبني نوبات هستيرية معها اسجن جسدي في البيت كون من بلي فليستتر ..!
زارني على غير عادته صديق كان صدوقا فصيرته قيود التبعية إلى كذوب تتلون أوردة لسانه السفلية كحرباء و تتبادل أسنانه مواقعها و تتموج شفاهه و تستطيل تبعا لقيود التبعية ...
زارني هذا الصديق في سجني في البيت إبان ابتلائي بتلك النوبات فوجدني ممتقع اللون ترتعش السيجارة في شفاهي و شعر راسي منفوش غائر العينين خائر القوى يتقاطر العرق من جسدي فقال : ( لا بد انك تتقمص دور الفلاسفة بهذا الوضع الجسدي الشاحب و العقل اللاهب الأفكار ... أنت كما عرفتك منذ خمسة عشر عاما عرفاني حد التماهي وجودي النظرة حد العدم و مادمت تذكرت تاريخك الثقافي هل تذكر صديقك سارتر ؟؟ )
قلت : كذاب اشر منذ تلقفتك حقائب الساسة و سجاد بيوت التجار و حواسيب الشركات .. تماري السياسي و تحابي التاجر و تتملق الشركات ..
أنت يا صديقي الكذوب نسيت كذبتك ألسابقه والتي لم أنساها بعد ألا وهي قولك في شخصي ( أنت يا أبو ناصر مصاب بانفصام ناتج عن اصطدام مكيف ساقط من الدور العاشر بجمجمتك الغراء ( الغراء لبياضها الناصع من الداخل والخارج ... ) أتذكر كذبتك هذه التي قلتها بحضور سادتك وكبرائك في مجمعنا بدار الطباعة ؟؟
ــ تغير لون وجهه ثم تموجت شفاهه وراح يلوك لسانه ثم قال : دعك من أكاذيبي التي لن تصدقها لبياض جمجمتك و سيعرف غيرك أنها الحقيقة الوحيدة في حاضرنا المعولم بالأكاذيب ... و لم ائتي لمحاولة إعادة تأهيلك عقليا و جسديا فاني قد يئست منك بعد تلك المحاولات الحمقاء مني لإنقاذك يا معالي الفيلسوف ناصع الجمجمة ، و أنما أتيتك اليوم لأعرض على جمجمتك الغراء مشروعا يدر عليك الكثير ..
ــ قاطعته و قلت : كم يجب علي أن أعيد على آذانك الصمع أني لا أفكر بالمشاريع المربحة فظلا عن أن تكون منك أيها الخسارة ..!!
ــ تبسم وإذا أضراسه قد صارت مكان ثناياه وقال : أبو ناصر أعرف أنك تتذكر فكرتك التي طرحتها على المجمع الصائع قبل عدة أعوام والتي تدور حول [ تحول العنب إلى زبيب ، و عصيره إلى نبيذ ]
ــ انسكبت من عيني دمعة رمادية خاثرة ... ثم استأذنته للاستحمام .
ــ تربع في جلسته وقال و احضر الشاي معك ..
ــ أتيته و الشاي و مجموعة أوراق هي في الحقيقة رسالة أرسلتها لصديق جار عليه الزمان فما وسع صديقي إلا أن يجور علي ..
سكبت لتركي فنجانا ولي فنجانا و أشعل كل منا سيجارة وبدأت في القراءة :
[ [ التحول بين الفلسفة و الاستقراء
أخي ماجد :
عندما يتحول العنب إلى زبيب أو عصيره إلى نبيذ فهو يتحول بفعل طارئ (عامل خارجي ) إذ ليس في تكوين العنب ما يجعله ثلاثة أشياء في نفس الوقت .. و أنت تعرف بالمقولة ( المشغول لا يشغل )
بل العنب هو شي واحد قابل للتغيير
فبفعل الشمس وزيادة النضج يتحول إلى زبيب
وبفعل الخمائر والكُمون يتحول عصيره إلى نبيذ ..
ستقول أخي ماجد : ما الداعي لهذه المقدمة و ما ألجديد فيها ؟
الداعي اكتشاف أما الجديد أننا ... عنب ... يا ألذ عنبة ..
ولأمثل لأقرب لي ولك الاكتشاف المذهل :
الدنيا كرم عنب أو قل شجرة عنب وكل مجتمع يمثل عنقودا وكل فرد يمثل حبة عنب والأغصان التي في العنقود هي العلاقات الاجتماعية
أما الأحاسيس و الأفكار ...الخ هي العصير .... هل استوعبت ؟؟
حسنا .. أفكارك و أحاسيسك هي عصير ربما تتحول إلى نبيذ .. وأنت ربما تتحول إلى زبيبة ..بالطبع ليس معنى التأنيث في زبيبة انك ستفقد رجولتك في معناها أو في أعضائها ...
ولآن سأفلسف لك التغيير :
والسؤال : كيف يتحول العصير إلى نبيذ ؟؟
والجواب : انك منذ خرجت للدنيا و أنت تتلقف و ( تستشفط ) و ( تستذجب) ما هب ودب من العادات و التقاليد و الديانة والمعاملات و اللغة وما يحمله الزمان في حيز مكانك كل هذه العناصر ( تستشفطها ) دون تمييز أحيانا وبدون اختيار حينا ..
هكذا ولدت لتستشفط والمهمة الموكلة إليك هي الاستشفاط .. وانظر إلى وجه الوالدين حينما ينطق إبنهما بعد ترديد هما على مسامعه كلمة ( بابا أو ماما ) تجدهم في غاية السعادة إذ هذه علامة لهما على أنه مستشفط ناجح وليس معتوها ومن الوالدين إلى الإخوة والأخوات و الأقرباء والأصدقاء و الغرباء والأساتذة والكتاب والرؤساء وتستمر رحلة استشفاطك إلى أن تخرج روحك وعند الدفن تبدأ عملية الاستفراغ ليرى منكر و نكير ماذا استشفطت في حياتك .. وللأسف فهما لا يبحثان إلا عن أربعة أشياء والباقي تأكله الديدان مع لحمك وشحمك ودمك وغضاريفك ..
إلى الآن لم أخبرك عن تحول العصير إلى نبيذ ولقد تعمدت هذا لإيضاح الصورة كاملة ..
تخيل أن ما استشفطته من عادات وتقاليد ودين ومعاملات ..الخ تضاف إلى عنصر مهم جدا ألا وهو ما جبلت عليه نفسك من طباع ..
كل هذه مجتمعه تشكل العصارة بداخلك أي العصير وبالطبع لا يتحول العصير إلى نبيذ إلا إذا توفر كل من الشرطين أدناه :
(1) الخمائر ، (2) الكمون ( مدة التغطية )
الخمائر تنتج في داخلك بفعل احتكاك العناصر السالفة الذكر مع بعضها البعض ، وكلما زاد الاحتكاك كلما زاد إنتاج الخمائر و زادت فعاليتها غير أن الاحتكاك بين العناصر لا ينتج خمائر على طول الخط بل في أحيان ينتج أحماضا وفي هذه الحالة يتحول العصير إلى ( هريسة ) تضيع معه الهوية .
أما الكمون فهي الفترة التي تقضيها مع معاناتك مع مرض الشك والريبة بالدوغمائيات و فك طلاسمها .. بمعنى فترة بحثك عن الحقيقة ممتطيا لهب الصبر ..
وتطول فترة الكمون بفعل العقل ومدى تقبله لواقعه ومقدار قوته على الغربلة كل ما أحس بزيادة الاحتكاك و تخمر العناصر .
وحين يصل بك الحال إلى أن تشد شعر راسك وعانتك ، أو الصياح بدون سبب ظاهر في مكان هادئ ، أو حين تشفشف قدميك بكل سعار جنسي ، أو حين تخرج بسبابتك شيئا من دماغك إما مع انفك أو أذنك ... كل هذه وغيرها من أمثالها علامات على أن عصيرك قد تحول إلى نبيذ و بصحتك وصحة من يحبك ويكرهك .
تحولك إلى زبيبة
في هذا التحول لن أتفلسف كثيرا لأنه بسيط و تبسيط البسيط هبالة قياسا على قاعدة تعقيد المعقد نذالة ..
يا صديقي تخرج إلى هذه الدنيا أملطا عاريا مثلك مثل بقية العنب في هذا الكرم الهائل ...وما يهمنا صورهم ( البودي ) و أحجامهم التي تحددها بمزاجية ( الجينات الوراثية ) إذ بمجرد تخالط حيوان أبيك المنوي ببويضة أمك تسجنك الجينات و تستعبدك .. وبرغم قرارات الأمم المتحدة ألمانعه الرق بكل أشكاله وبرغم الجهود الدولية للقضاء على الاسترقاق إلا أن هذه الجينات مع تلك القرارات والجهود مثلها مثل إسرائيل ..
المهم من فور خروجك عاريا تبدأ الرحلة إلى الموت .. خلالها تحمر خجلا وتصفر مرضا...الخ طول هذه الرحلة وأنت ما تزال عنباية ..
ولا تتحول يا مستر عنباية إلى مسز زبيبة إلا إذا توفرت الشرطين التالية أو احدها 1) الفقرلوجيا ، (2) المصائبازيا
الفقرلوجيا : هي الشمس الحارقة الحاقدة على جلدك وجسدك
أما المصائبازيا : فهي تتكفل بإنضاجك من الداخل .
وكم سُجلت حالات كثر تحول فيها العنب إلى زبيب بأحد العاملين ...
أما فاجعة الفواجع حين يتحول العصير إلى نبيذ والعنب إلى زبيب في شخص واحد ( عنبة واحده ) .. عندها يا صاحبي هذا الشخص يصبح أشبه بيأجوج و ماجوج المذكورة أوصافهم في تلك الأسفار ....
ولم يسجل إلى الآن إلا حالتين فقط في مثل هذا الحال وهما ( منيف مطاط و شامخ قطمة ) وأنت لا تجهلهما ....؟!
تحول الأغصان إلى خيوط عنكبوت أو إلى مزة
أخي ماجد تعرف مسبقا أن تلك الأغصان تمثل العلاقات الاجتماعية بين الأفراد / العنب في العنقود الواحد وبين الجماعات والشعوب في الشجرة .
فكيف تتحول الأغصان إلى خيوط عنكبوت رقيقة جدا لدرجة الوهن ؟؟؟؟
الحقيقة يا صديقي هي ... انه لا توجد حقيقة كاملة على الأقل من وجهة نظر فلسفية ..
الحقيقة الناقصة هي أن كل حبة عنب معلقة بغصن في عنقودها وكل عنقود معلق بغصن اكبر في الإنسانية أي الشجرة ..
تلك الأغصان معرضة لأبخرة النبيذ في كل حبة عنب ومعرضه للوهن (ألزبيبي) إن صحة التسمية ...
وهنا نقف لنمارس الاستقراء على حالة الغصن ..
الغصن يقوم بجميع التحولات السايكلوجية داخل العنبة وخارجها في نفس الوقت الذي يتأثر فيه سلبا وإيجابا بهذه التحولات ..فلا يؤثر إلا إذا تأثر والعكس صحيح .
هذه الميزة للغصن جعلته أول الضحايا وأول من يسقط من الشهداء في معركة التحولات وكل الأطراف تلومه وكأنه السبب الوحيد في معركة التحولات وان كان من النظرة الأولى معهم الحق في ذلك ..
ولكن حين نعيد النظر نجد انه مظلوم ... كيف ؟؟
لأنه موجود قسرا ليقوم بأعمال ازدواجية يعطي ويأخذ في نفس الوقت ناهيك عن عمله كرابط وكعروة وثقى ( من حيث الضرورة من الوجود )وعروة صدئة ( من حيث لعبة التحولات الزمانية القهرية في المكان و موجوداته )
فيضمر حين يتحول العنب إلى زبيب ويرق حين يتحول العصير إلى نبيذ وفي الحالتين يصاب بالتشوهات الخلقية ومن نوازل الدهر التي لا ترحم فيتحول خيط عنكبوت لا يلبث أن يتمزق من أي حركة في العنقود فتتساقط حبات العنب والزبيب في سحيق الهاوية ..
أما كيف تتحول تلك الأغصان إلى مزة فتلك معضلة حلها يستوجب أن تتذكر جزئيات حديثي السابق ..
عرفنا كيف يصبح الغصن اللدن القوي خيط عنكبوت يتمزق لأدنى حركة ..
لكن تحوله إلى مزة تؤكل مع شراب (( النبيذ )) فنحتاج إلى استذكار السجن البدائي ( الجينات الوراثية ) و أيضا إلى استذكار ما فطرت وجبلت عليه نفسك طبائعيا / أخلاقيا
أ ـ (فمتى ما طغى السجن البدائي على ما جبلت عليه نفسك ستتحول حبة العنب تلك إلى عنبة جوفاء داخلها عصارة وتحميها قشرة رقيقة من الخارج
وهذا بالضبط ما هو حاصل في العنقود العربي )
ب ـ (أما عندما يطغى ما جبلت عليه النفس على السجن البدائي فتنقسم حبة العنب إلى حبتين متلاصقتين أي يصير العنقود منتجا مثل العنقود الغربي..)
اعرف انك تسال وكيف تتحول فيما سبق الأغصان إلى مزة ؟؟؟
والجواب أخي ماجد :
انها في كلا الحالتين تتحول الأغصان إلى مزة ... في عنقود مثل العنقود العربي تؤكل على الإكراه والقوى العرفية وفي عنقود الغرب تؤكل على مائدة الشهوات والحريات
واني صديقي انتظر منك رسالة تعضد ما ذكرته في رسالتي هذه أو تبين أخطائي الفكرية الاستقرائية التي تضمنتها
هذا ما انتظره منك يا ( شامخ قطمة )
مع أطيب تحياتي
منيف مطاط ] ] انتهت الرسالة
أغلقت الورقة الأخيرة من الرسالة ورفعت راسي ناظرا إلى تركي وإذا به قد جعل سبابتيه في أذنيه وصحن الشاي الذي بيننا كانت به مادة جبسية عليها أثار دم أخرجت سبابتيه التي استخرج بهما دماغه أثناء قراءتي ثم سقطت على جسده المثلج باكيا .
(( من قرء اعلاه وجب عليه ان يكتب رغبته في المزيد او نصحه في عدم تكرار التجربه))
أوراق مـن ســجـنــي
مقدمه :
قال ذو القروح :
ولقد نقبت في الآفاق حتى *** رضيت من الغنيمة بالإيابِ
قال أبو ناصر : كفى بها غنيمة أن تعود إلى نقطة الصفر كيف و الطرق في جميع الآفاق مسدودة مغلقة .. وقد جابهني الكثير بالمعارضة الشديدة على قولي و ذي القروح فأجبتهم و لا أزال أجيبهم بقول ابن حزم :
و ماذا على الشمس المنيرة بالضحى *** إذا قصرت عنها ضعافُ البصائرِ
وليس بمستغرب إن رجع بعضهم بعد أن اقروا لي بالقول وكما قال الأخطل:
حتى اقروا وهم مني على مضضٍ *** والقول ينفذُ ما لا تنفذ الإبرُ
أما البقية وكلهم حارث ( بناء على إن كل إنسان هو حارث ) فقد قلت لهم ما قاله الشاعر المتلمس :
أحارث إنا لو تساط دماؤنا *** تزايلن حتى لا يمس دمٌ دما
بقي أن أخبركم بما أن جميع الطرق مغلقة فهذا يعني بالضرورة أننا مسجونين ... لذا أقول ما قاله أبي محسد :
كن أيها السجن كيف شئت فقد *** وطّدتُ للموت نفس معترف
ومن هذه التجربة ألسجنيه اهدي لكم رواد موضوعي بعضا من دروسها ولسان حالي وأنا أهديكم هذه الدروس من تلك التجربة عبر عنه إيليا أبو ماضي بقوله :
أنا لا اهدي إليكم ورقا *** غيركم يرضى بحبرٍ و ورق
إنما أهدي إلى أرواحكم *** دررا تبقى إذا الطرس احترق
من فضول القول تبقى إذا المنتدى أغلق أو إذا الكاتب رحل ..
الورقة الأولى
كنت في العام الماضي أعيش مع من كان يعيش فيه على هذه الأرض المستديرة و الدائرة حول محورها في صيرورة معها يستحال أن يكون لي أو لها الاختيار أو التأثير على هذا الرتم من تقلب الليل والنهار ....
أحمق خلق الله اولائك المسجونين أضعف قيودهم الجاذبية ..
سجن ليس فيه طعم للحرية .. كل ما نملك ( أكاذيب ) و ( أوهام ) نصدقها من سفهنا بأننا نملك من امرنا شيئا ..!!
عقول مسجونة في جماجم قلوب مسجونة في أقفاص أرواح مسجونة في أجساد و أجساد مسجونة في كرة وكرة مسجونة في مجموعة ( سجنية / شمسية ) ومجموعة مسجونة في طرف مجرة ومجرة مسجونة في فراغ مع مجرات اكبر واصغر منها ..
ما علاقة السجون التي في داخل السجون بالفراغ ؟؟
من يجيبني من داخل تلك السجون التي بعضها داخل بعض ؟؟
والى أن تأتيني إجابة من سجين أعود على ما بدأته من ذكرياتي السجينة إما في عقلي المسجون في جمجمته أو في أوراقي المسجونة في دفاتري ... مضحكة هي السجون إنها أكثر الموجودات وجودا ..
في العام الماضي الذي كنت أعيش فيه بجانب جار سجين (أوهامه) وعقائده التي يؤمن بها أكثر من إيمانه بوجوده ...
قلت له وأنا أحاوره في سجننا : اخبرني يا محمد هل طيلة أعوامك الرطبة البالغة الخامسة والثلاثين استطعت ولو لثانية أن تتخلص من قيودك ؟؟
تبسم ابتسامته التي تمرض فؤادي المسجون في قفصه وقال : ستكون في يوم ملحدا ....!! ما لم يتداركك الله برحمته وهدايته ..
قلت له : انظر لنفسك أنت مقيد من كل ناحية واشد قيودك قسوة هي تلك المصطلحات التي تفهمها وتحورها ... عفوا اقصد تحورك كيفما شاءت ...أصبحت مع الزمن المقيت آلة تنظر وتحكم وفق مصطلحاتها الجاهزة ... وما مصطلح الإلحاد إلا أحدها ..
أفق فالقيود لا تدعك حتى تتنفس .. يا لك من كائن لا رئتين له ..!
قال : وهل ترى نفسك سالم من تلك القيود .. انظر كيف تحكمت فيك مصطلحاتك الفلسفية اللفظية ... وترى أني سجين مصطلحاتي ..!!
يا أبو ناصر من مصطلحاتك ونظرتك هذه تجد أن الفرق بيننا ليس في وجود القيود أو عدمها بل في أشكال القيود لا أكثر ..
أنت مقيد بقيود شتى و أنا مقيد بقيود ...( حتى ) لا اللفظية بل الانتظارية .. أتفهم ما عنيت ...؟؟
قلت له : هل قولك هذا اعتراف بوجود القيود أم انه لا يعني أكثر من المسايرة والمجاراة في ألفكره ..؟؟
قال : الاثنين معا ...فحين تنظر إلي باني كائن لا رئتين له أخبرك بان تنظر بنفس المنظار إلى صدرك الخالي من الرئتين ...
وان تنظر إلى من حيث أينا أحق بالحقيقة أو بلفظ أدق أينا يملكها أقول لك أنا املكها بنسبة اكبر من ملكيتك لها ..
قلت : غريب أنت تدرك القيد ولا تفكه بل تزيده قوة وقصرا ..؟!؟
محمد اخرج بخيالك من قيودك وانظر كم قيد في أقدامنا والأعناق ؟؟
ــ يا أبو ناصر حتى الخيال مقيد ....هل تستطيع أن تفكر أو تتخيل خارج لغتك ... كل شي بمقدار ... ليس هناك شي خارج المقدار حتى المقدار نفسه
هنا تعقيد بل تعقيد التعقيد ( الذي سميته أنت يوما )
ــ ذكي أنت حد الطرافة أتذكر تلك التسمية التي جعلتني اكسر زجاج سيارته برغم انك حينها كنت معه قضا وقضيضا هل مازلت ترى أني غير صادق في تسمية تعقيد المعقد نذالة ؟؟
ــ قبل أن أجيبك أشعل لي سيجارة ..
ــ أعطيته سيجارة المارلبورو ... وراح يدخن ويكتشف القيود وينبش الذكريات و يكلم الجراح ... واستمر يدخن و يدخن و يدخن حتى نفث دخانا من أنفه وفمه اصفر اللون ثم قال : و أخيرا خرج الصدئ من قيودي الرأوية.
ــ أخرجت أنة متحشرجة قبل أن اكب على وجهي باكيا على جسده المثلج .
الورقة الثانية
بين حين و أخر اشعر برغبة جامحة معها تصبح الرؤيا لدي محكومة بلوني عيني ... أي يا اسود أو ابيض .. فتسجنني عيناي بلونيها البليدين حيث كل شي محوكم برؤيتي إما ابيض أو نقيضه / ضده الأسود ...
واعرف أن رؤيتي تلك للأشياء هي رؤية غير واقعية تنقصها الحقائق وكل أمر تنقصه الحقائق تنقصه الحرية هكذا حكمت الدنيا ما بين سجنائها ..
رغبتي تلك هي أن انتقم من قيودي زمانيها و مكانيها وجنسيها و دينيها و هنا أصاب بعمى الألوان حيث تصبح القيود التي أريد الانتقام منها إما بيضا أو سودا و تتجاوز النظرة المجنونة القيود إلى الحيز أيا كان الحيز الذي توجد به القيود .. فتصيبني نوبات هستيرية معها اسجن جسدي في البيت كون من بلي فليستتر ..!
زارني على غير عادته صديق كان صدوقا فصيرته قيود التبعية إلى كذوب تتلون أوردة لسانه السفلية كحرباء و تتبادل أسنانه مواقعها و تتموج شفاهه و تستطيل تبعا لقيود التبعية ...
زارني هذا الصديق في سجني في البيت إبان ابتلائي بتلك النوبات فوجدني ممتقع اللون ترتعش السيجارة في شفاهي و شعر راسي منفوش غائر العينين خائر القوى يتقاطر العرق من جسدي فقال : ( لا بد انك تتقمص دور الفلاسفة بهذا الوضع الجسدي الشاحب و العقل اللاهب الأفكار ... أنت كما عرفتك منذ خمسة عشر عاما عرفاني حد التماهي وجودي النظرة حد العدم و مادمت تذكرت تاريخك الثقافي هل تذكر صديقك سارتر ؟؟ )
قلت : كذاب اشر منذ تلقفتك حقائب الساسة و سجاد بيوت التجار و حواسيب الشركات .. تماري السياسي و تحابي التاجر و تتملق الشركات ..
أنت يا صديقي الكذوب نسيت كذبتك ألسابقه والتي لم أنساها بعد ألا وهي قولك في شخصي ( أنت يا أبو ناصر مصاب بانفصام ناتج عن اصطدام مكيف ساقط من الدور العاشر بجمجمتك الغراء ( الغراء لبياضها الناصع من الداخل والخارج ... ) أتذكر كذبتك هذه التي قلتها بحضور سادتك وكبرائك في مجمعنا بدار الطباعة ؟؟
ــ تغير لون وجهه ثم تموجت شفاهه وراح يلوك لسانه ثم قال : دعك من أكاذيبي التي لن تصدقها لبياض جمجمتك و سيعرف غيرك أنها الحقيقة الوحيدة في حاضرنا المعولم بالأكاذيب ... و لم ائتي لمحاولة إعادة تأهيلك عقليا و جسديا فاني قد يئست منك بعد تلك المحاولات الحمقاء مني لإنقاذك يا معالي الفيلسوف ناصع الجمجمة ، و أنما أتيتك اليوم لأعرض على جمجمتك الغراء مشروعا يدر عليك الكثير ..
ــ قاطعته و قلت : كم يجب علي أن أعيد على آذانك الصمع أني لا أفكر بالمشاريع المربحة فظلا عن أن تكون منك أيها الخسارة ..!!
ــ تبسم وإذا أضراسه قد صارت مكان ثناياه وقال : أبو ناصر أعرف أنك تتذكر فكرتك التي طرحتها على المجمع الصائع قبل عدة أعوام والتي تدور حول [ تحول العنب إلى زبيب ، و عصيره إلى نبيذ ]
ــ انسكبت من عيني دمعة رمادية خاثرة ... ثم استأذنته للاستحمام .
ــ تربع في جلسته وقال و احضر الشاي معك ..
ــ أتيته و الشاي و مجموعة أوراق هي في الحقيقة رسالة أرسلتها لصديق جار عليه الزمان فما وسع صديقي إلا أن يجور علي ..
سكبت لتركي فنجانا ولي فنجانا و أشعل كل منا سيجارة وبدأت في القراءة :
[ [ التحول بين الفلسفة و الاستقراء
أخي ماجد :
عندما يتحول العنب إلى زبيب أو عصيره إلى نبيذ فهو يتحول بفعل طارئ (عامل خارجي ) إذ ليس في تكوين العنب ما يجعله ثلاثة أشياء في نفس الوقت .. و أنت تعرف بالمقولة ( المشغول لا يشغل )
بل العنب هو شي واحد قابل للتغيير
فبفعل الشمس وزيادة النضج يتحول إلى زبيب
وبفعل الخمائر والكُمون يتحول عصيره إلى نبيذ ..
ستقول أخي ماجد : ما الداعي لهذه المقدمة و ما ألجديد فيها ؟
الداعي اكتشاف أما الجديد أننا ... عنب ... يا ألذ عنبة ..
ولأمثل لأقرب لي ولك الاكتشاف المذهل :
الدنيا كرم عنب أو قل شجرة عنب وكل مجتمع يمثل عنقودا وكل فرد يمثل حبة عنب والأغصان التي في العنقود هي العلاقات الاجتماعية
أما الأحاسيس و الأفكار ...الخ هي العصير .... هل استوعبت ؟؟
حسنا .. أفكارك و أحاسيسك هي عصير ربما تتحول إلى نبيذ .. وأنت ربما تتحول إلى زبيبة ..بالطبع ليس معنى التأنيث في زبيبة انك ستفقد رجولتك في معناها أو في أعضائها ...
ولآن سأفلسف لك التغيير :
والسؤال : كيف يتحول العصير إلى نبيذ ؟؟
والجواب : انك منذ خرجت للدنيا و أنت تتلقف و ( تستشفط ) و ( تستذجب) ما هب ودب من العادات و التقاليد و الديانة والمعاملات و اللغة وما يحمله الزمان في حيز مكانك كل هذه العناصر ( تستشفطها ) دون تمييز أحيانا وبدون اختيار حينا ..
هكذا ولدت لتستشفط والمهمة الموكلة إليك هي الاستشفاط .. وانظر إلى وجه الوالدين حينما ينطق إبنهما بعد ترديد هما على مسامعه كلمة ( بابا أو ماما ) تجدهم في غاية السعادة إذ هذه علامة لهما على أنه مستشفط ناجح وليس معتوها ومن الوالدين إلى الإخوة والأخوات و الأقرباء والأصدقاء و الغرباء والأساتذة والكتاب والرؤساء وتستمر رحلة استشفاطك إلى أن تخرج روحك وعند الدفن تبدأ عملية الاستفراغ ليرى منكر و نكير ماذا استشفطت في حياتك .. وللأسف فهما لا يبحثان إلا عن أربعة أشياء والباقي تأكله الديدان مع لحمك وشحمك ودمك وغضاريفك ..
إلى الآن لم أخبرك عن تحول العصير إلى نبيذ ولقد تعمدت هذا لإيضاح الصورة كاملة ..
تخيل أن ما استشفطته من عادات وتقاليد ودين ومعاملات ..الخ تضاف إلى عنصر مهم جدا ألا وهو ما جبلت عليه نفسك من طباع ..
كل هذه مجتمعه تشكل العصارة بداخلك أي العصير وبالطبع لا يتحول العصير إلى نبيذ إلا إذا توفر كل من الشرطين أدناه :
(1) الخمائر ، (2) الكمون ( مدة التغطية )
الخمائر تنتج في داخلك بفعل احتكاك العناصر السالفة الذكر مع بعضها البعض ، وكلما زاد الاحتكاك كلما زاد إنتاج الخمائر و زادت فعاليتها غير أن الاحتكاك بين العناصر لا ينتج خمائر على طول الخط بل في أحيان ينتج أحماضا وفي هذه الحالة يتحول العصير إلى ( هريسة ) تضيع معه الهوية .
أما الكمون فهي الفترة التي تقضيها مع معاناتك مع مرض الشك والريبة بالدوغمائيات و فك طلاسمها .. بمعنى فترة بحثك عن الحقيقة ممتطيا لهب الصبر ..
وتطول فترة الكمون بفعل العقل ومدى تقبله لواقعه ومقدار قوته على الغربلة كل ما أحس بزيادة الاحتكاك و تخمر العناصر .
وحين يصل بك الحال إلى أن تشد شعر راسك وعانتك ، أو الصياح بدون سبب ظاهر في مكان هادئ ، أو حين تشفشف قدميك بكل سعار جنسي ، أو حين تخرج بسبابتك شيئا من دماغك إما مع انفك أو أذنك ... كل هذه وغيرها من أمثالها علامات على أن عصيرك قد تحول إلى نبيذ و بصحتك وصحة من يحبك ويكرهك .
تحولك إلى زبيبة
في هذا التحول لن أتفلسف كثيرا لأنه بسيط و تبسيط البسيط هبالة قياسا على قاعدة تعقيد المعقد نذالة ..
يا صديقي تخرج إلى هذه الدنيا أملطا عاريا مثلك مثل بقية العنب في هذا الكرم الهائل ...وما يهمنا صورهم ( البودي ) و أحجامهم التي تحددها بمزاجية ( الجينات الوراثية ) إذ بمجرد تخالط حيوان أبيك المنوي ببويضة أمك تسجنك الجينات و تستعبدك .. وبرغم قرارات الأمم المتحدة ألمانعه الرق بكل أشكاله وبرغم الجهود الدولية للقضاء على الاسترقاق إلا أن هذه الجينات مع تلك القرارات والجهود مثلها مثل إسرائيل ..
المهم من فور خروجك عاريا تبدأ الرحلة إلى الموت .. خلالها تحمر خجلا وتصفر مرضا...الخ طول هذه الرحلة وأنت ما تزال عنباية ..
ولا تتحول يا مستر عنباية إلى مسز زبيبة إلا إذا توفرت الشرطين التالية أو احدها 1) الفقرلوجيا ، (2) المصائبازيا
الفقرلوجيا : هي الشمس الحارقة الحاقدة على جلدك وجسدك
أما المصائبازيا : فهي تتكفل بإنضاجك من الداخل .
وكم سُجلت حالات كثر تحول فيها العنب إلى زبيب بأحد العاملين ...
أما فاجعة الفواجع حين يتحول العصير إلى نبيذ والعنب إلى زبيب في شخص واحد ( عنبة واحده ) .. عندها يا صاحبي هذا الشخص يصبح أشبه بيأجوج و ماجوج المذكورة أوصافهم في تلك الأسفار ....
ولم يسجل إلى الآن إلا حالتين فقط في مثل هذا الحال وهما ( منيف مطاط و شامخ قطمة ) وأنت لا تجهلهما ....؟!
تحول الأغصان إلى خيوط عنكبوت أو إلى مزة
أخي ماجد تعرف مسبقا أن تلك الأغصان تمثل العلاقات الاجتماعية بين الأفراد / العنب في العنقود الواحد وبين الجماعات والشعوب في الشجرة .
فكيف تتحول الأغصان إلى خيوط عنكبوت رقيقة جدا لدرجة الوهن ؟؟؟؟
الحقيقة يا صديقي هي ... انه لا توجد حقيقة كاملة على الأقل من وجهة نظر فلسفية ..
الحقيقة الناقصة هي أن كل حبة عنب معلقة بغصن في عنقودها وكل عنقود معلق بغصن اكبر في الإنسانية أي الشجرة ..
تلك الأغصان معرضة لأبخرة النبيذ في كل حبة عنب ومعرضه للوهن (ألزبيبي) إن صحة التسمية ...
وهنا نقف لنمارس الاستقراء على حالة الغصن ..
الغصن يقوم بجميع التحولات السايكلوجية داخل العنبة وخارجها في نفس الوقت الذي يتأثر فيه سلبا وإيجابا بهذه التحولات ..فلا يؤثر إلا إذا تأثر والعكس صحيح .
هذه الميزة للغصن جعلته أول الضحايا وأول من يسقط من الشهداء في معركة التحولات وكل الأطراف تلومه وكأنه السبب الوحيد في معركة التحولات وان كان من النظرة الأولى معهم الحق في ذلك ..
ولكن حين نعيد النظر نجد انه مظلوم ... كيف ؟؟
لأنه موجود قسرا ليقوم بأعمال ازدواجية يعطي ويأخذ في نفس الوقت ناهيك عن عمله كرابط وكعروة وثقى ( من حيث الضرورة من الوجود )وعروة صدئة ( من حيث لعبة التحولات الزمانية القهرية في المكان و موجوداته )
فيضمر حين يتحول العنب إلى زبيب ويرق حين يتحول العصير إلى نبيذ وفي الحالتين يصاب بالتشوهات الخلقية ومن نوازل الدهر التي لا ترحم فيتحول خيط عنكبوت لا يلبث أن يتمزق من أي حركة في العنقود فتتساقط حبات العنب والزبيب في سحيق الهاوية ..
أما كيف تتحول تلك الأغصان إلى مزة فتلك معضلة حلها يستوجب أن تتذكر جزئيات حديثي السابق ..
عرفنا كيف يصبح الغصن اللدن القوي خيط عنكبوت يتمزق لأدنى حركة ..
لكن تحوله إلى مزة تؤكل مع شراب (( النبيذ )) فنحتاج إلى استذكار السجن البدائي ( الجينات الوراثية ) و أيضا إلى استذكار ما فطرت وجبلت عليه نفسك طبائعيا / أخلاقيا
أ ـ (فمتى ما طغى السجن البدائي على ما جبلت عليه نفسك ستتحول حبة العنب تلك إلى عنبة جوفاء داخلها عصارة وتحميها قشرة رقيقة من الخارج
وهذا بالضبط ما هو حاصل في العنقود العربي )
ب ـ (أما عندما يطغى ما جبلت عليه النفس على السجن البدائي فتنقسم حبة العنب إلى حبتين متلاصقتين أي يصير العنقود منتجا مثل العنقود الغربي..)
اعرف انك تسال وكيف تتحول فيما سبق الأغصان إلى مزة ؟؟؟
والجواب أخي ماجد :
انها في كلا الحالتين تتحول الأغصان إلى مزة ... في عنقود مثل العنقود العربي تؤكل على الإكراه والقوى العرفية وفي عنقود الغرب تؤكل على مائدة الشهوات والحريات
واني صديقي انتظر منك رسالة تعضد ما ذكرته في رسالتي هذه أو تبين أخطائي الفكرية الاستقرائية التي تضمنتها
هذا ما انتظره منك يا ( شامخ قطمة )
مع أطيب تحياتي
منيف مطاط ] ] انتهت الرسالة
أغلقت الورقة الأخيرة من الرسالة ورفعت راسي ناظرا إلى تركي وإذا به قد جعل سبابتيه في أذنيه وصحن الشاي الذي بيننا كانت به مادة جبسية عليها أثار دم أخرجت سبابتيه التي استخرج بهما دماغه أثناء قراءتي ثم سقطت على جسده المثلج باكيا .
(( من قرء اعلاه وجب عليه ان يكتب رغبته في المزيد او نصحه في عدم تكرار التجربه))