محمد القضاة
04-12-2003, 03:34 PM
ليس التنافر والتعارض المعرفي والنسقي بين الحداثة والتقليد كما تتحدث أدبيات ما يسميه أصحابه بالـ\"التنوير\"، بل هو في الحقيقة بين رؤية صلبة مادية وأخرى عضوية تراحمية؛ فالصراع بين التعاقد والتراحم يتجلى في المساحة الاجتماعية، ومن هنا لم يكن غريبًا أن الإنجازات العلمية والتكنولوجية أحدثت -ولا تزال- تغيرات اجتماعية لا يتم ترشيد مسارها بدعوى التجريب والنسبية الاجتماعية والأخلاقية، فتكون النتيجة أن ينحسر سلطان الدين والتقاليد والقوانين الأخلاقية لتحل محلها مشاعر الفردية/الأنانية والتناحر في طلب المنفعة.
فمع كل ثورة يحققها العقل في مجال التكنولوجيا لا بد من حدوث تعديلات ملائمة ومحسوبة في الاجتماع والسياسة والثقافة لضمان جدوى التغير التكنولوجي ونفعه، وبحيث تتقدم البشرية على قدمين فلا تحقق المكسب المادي وتخسر المكسب الإنساني فتضحي إنجازاتها التاريخية عرجاء منقوصة. والرؤية المادية تتجلى في عالمنا المعاصر في الحياة اليومية من خلال العملية الاستهلاكية التي تقوم بتغيير وجه العالم والحياة الاجتماعية وتحوِّل العديد من العلاقات عن مسارها إلى \"التسلع\"، بحيث يصبح كلُّ شيء له مقابل، وخاضعًا للتبادل النفعي. وهذا أدى في الدراسات الاقتصادية والاجتماعية إلى شيوع التركيز على عملية الاستهلاك والعلاقة بين المنتج والمستهلك -أي الإنسان بوصفه كائنًا استهلاكيًّا!- كما أدى إلى \"إنتاج\" و\"استهلاك\" المكان من خلال صناعات الخدمات، خاصة السياحة.
وليس غريبًا أن مصطلحي \"التسلع\" و\"التشيؤ\" ينتميان إلى منظومة واحدة مع \"التعاقد\"، كتجليات للرؤية المادية. وهي بالرغم من الفروق الدقيقة بينها تلتقي في نظرتها إلى العلاقات الاجتماعية؛ فقد أدت الثورة الصناعية لأن تصبح الحياة الاجتماعية مرتبطة بالعمل والإنتاج والمؤسسات الاقتصادية أكثر منها بنمط حياة الأسرة والانتماء لجماعة اجتماعية؛ أي النظر إليه باعتباره جزءًا من عملية الإنتاج لا عضوًا في مجتمع مركب الدوائر، وهو ما أدى إلى اغترابه نتيجة عزله عن محيطة الاجتماعي.
وكانت النتيجة أن رأى \"إنسان الحداثة\" خلاصه وتحريره في البحث الدائم عن اللذة المباشرة، ومن ثم فالسلعة هي \"أيقونته الكبرى\" بتعبير المسيري، وهكذا يترجم التشيؤ نفسه إلى تسلّع، ومن ثم تصبح عملية تبادل السلع هي النموذج الكامن في رؤية الإنسان للكون ولذاته، ولعلاقاته مع الآخرين. وفي مجتمع السوق هذا يكون \"التعاقد\" هو الحالة الطبيعية للتعامل مع الآخر.
ولذلك كله كان نقد مدرسة فرانكفورت لنظام السوق الذي رأوه المسئول عن عبادة السلع أو صنميتها (وبتعبير ماركس: تَوَثّنها)؛ وهو ما أضفى على علاقات الناس بالأشياء وببعضهم طابع السلعة وحصرها في نطاق المنافع والوسائل المجردة من كل لمسة شخصية أو إنسان
فمع كل ثورة يحققها العقل في مجال التكنولوجيا لا بد من حدوث تعديلات ملائمة ومحسوبة في الاجتماع والسياسة والثقافة لضمان جدوى التغير التكنولوجي ونفعه، وبحيث تتقدم البشرية على قدمين فلا تحقق المكسب المادي وتخسر المكسب الإنساني فتضحي إنجازاتها التاريخية عرجاء منقوصة. والرؤية المادية تتجلى في عالمنا المعاصر في الحياة اليومية من خلال العملية الاستهلاكية التي تقوم بتغيير وجه العالم والحياة الاجتماعية وتحوِّل العديد من العلاقات عن مسارها إلى \"التسلع\"، بحيث يصبح كلُّ شيء له مقابل، وخاضعًا للتبادل النفعي. وهذا أدى في الدراسات الاقتصادية والاجتماعية إلى شيوع التركيز على عملية الاستهلاك والعلاقة بين المنتج والمستهلك -أي الإنسان بوصفه كائنًا استهلاكيًّا!- كما أدى إلى \"إنتاج\" و\"استهلاك\" المكان من خلال صناعات الخدمات، خاصة السياحة.
وليس غريبًا أن مصطلحي \"التسلع\" و\"التشيؤ\" ينتميان إلى منظومة واحدة مع \"التعاقد\"، كتجليات للرؤية المادية. وهي بالرغم من الفروق الدقيقة بينها تلتقي في نظرتها إلى العلاقات الاجتماعية؛ فقد أدت الثورة الصناعية لأن تصبح الحياة الاجتماعية مرتبطة بالعمل والإنتاج والمؤسسات الاقتصادية أكثر منها بنمط حياة الأسرة والانتماء لجماعة اجتماعية؛ أي النظر إليه باعتباره جزءًا من عملية الإنتاج لا عضوًا في مجتمع مركب الدوائر، وهو ما أدى إلى اغترابه نتيجة عزله عن محيطة الاجتماعي.
وكانت النتيجة أن رأى \"إنسان الحداثة\" خلاصه وتحريره في البحث الدائم عن اللذة المباشرة، ومن ثم فالسلعة هي \"أيقونته الكبرى\" بتعبير المسيري، وهكذا يترجم التشيؤ نفسه إلى تسلّع، ومن ثم تصبح عملية تبادل السلع هي النموذج الكامن في رؤية الإنسان للكون ولذاته، ولعلاقاته مع الآخرين. وفي مجتمع السوق هذا يكون \"التعاقد\" هو الحالة الطبيعية للتعامل مع الآخر.
ولذلك كله كان نقد مدرسة فرانكفورت لنظام السوق الذي رأوه المسئول عن عبادة السلع أو صنميتها (وبتعبير ماركس: تَوَثّنها)؛ وهو ما أضفى على علاقات الناس بالأشياء وببعضهم طابع السلعة وحصرها في نطاق المنافع والوسائل المجردة من كل لمسة شخصية أو إنسان